أبو حامد الغزالي
74
تهافت الفلاسفة
مسألة في إبطال قولهم بقدم العالم تفصيل المذهب : اختلف الفلاسفة في قدم العالم ؛ فالذي استقر عليه رأى جماهيرهم المتقدمين والمتأخرين ، القول بقدمه ، وأنه لم يزل موجودا مع اللّه تعالى ، ومعلولا له ، ومساوقا له ، غير متأخر عنه بالزمان ، مساوقة المعلول للعلة ، ومساوقة النور للشمس ، وأن تقدم الباري عليه ، كتقدم العلة على المعلول ، وهو تقدم بالذات والرتبة ، لا بالزمان . وحكى عن أفلاطن أنه قال : العالم مكوّن ومحدث ، ثم منهم من أوّل كلامه ، وأبى أن يكون حدوث العالم معتقدا له « 1 » . وذهب جالينوس في آخر عمره ، في الكتاب الذي سماه « ما يعتقده جالينوس رأيا » إلى التوقف في هذه المسألة . وأنه لا يدرى : العالم قديم أو محدث ؟ وربما
--> ( 1 ) أشار الجلال الدواني إلى الخلاف حول رأى أفلاطون فقال : « ونقل عن أفلاطون القول بحدوث العالم ، فقيل أن مراده الحدوث الذاتي ، وقد رأيت أنا كتابا بخط واحد من الفلاسفة الإسلاميين ، قد نسخ قبل هذا التاريخ - يشير إلى تاريخ زمنه - بأربعمائة سنة ، وذكر فيه - نقلا عن أرسطاطاليس - أن الفلاسفة كلهم اتفقوا على قدم العالم ، إلا رجلا واحدا منهم ، وقال مصنف ذلك الكتاب : أن مراد أرسطو من هذا الرجل ، أفلاطون ، فلا يمكن حمله على الحدوث الذاتي كما لا يخفى انظر الفصل الأول من شرحه على العقائد العضدية وقوله « فلا يمكن حمله على الحدوث الذاتي كما لا يخفى » يفسر بأن حمل قول أفلاطن على الحدوث الذاتي يجعل معنى العبارة هكذا : اتفق الفلاسفة على قدم العالم إلا أفلاطون فإنه قال بحدوثه حدوثا ذاتيا ، فبمقتضى قاعدة الاستثناء يكون رأى الفلاسفة محمولا على القدم الذاتي وهو خلاف المروى عنهم « ثم نقل الحدوث عنه مخالف لما اشتهر من قوله بقدم النفوس الإنسانية وقدم البعد المجرد » .